القرطبي

92

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وحكى أبو الليث السمرقندي : أجمع المفسرون أن معنى " لا أقسم " : أقسم . واختلفوا في تفسير : " لا " قال بعضهم : " لا " زيادة في الكلام للزينة ، ويجري في كلام العرب زيادة ( لا ) كما قال في آية أخرى : " قال ما منعك أن لا تسجد " [ ص : 75 ] . يعني أن تسجد ، وقال بعضهم : " لا " : رد لكلامهم حيث أنكروا البعث ، فقال : ليس الامر كما زعمتم . قلت : وهذا قول الفراء ، قال الفراء : وكثير من النحويين يقولون " لا " صلة ، ولا يجوز أن يبدأ بجحد ثم يجعل صلة ، لان هذا لو كان كذلك لم يعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه ، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار ، فجاء الأقسام بالرد عليهم [ في كثير من الكلام المبتدأ منه وغير المبتدأ ] ( 1 ) وذلك كقولهم لا والله لا أفعل ف‍ " - لا " رد لكلام قد مضى ، وذلك كقولك : لا والله إن القيامة لحق ، كأنك أكذبت قوما أنكروه . وأنشد غير الفراء لامرئ القيس : فلا وأبيك ابنة العامري * لا يدعي القوم أني أفر وقال غوية بن سلمى : ألا نادت أمامة باحتمال * لتحزنني فلا بك ما أبالي وفائدتها توكيد القسم في الرد . قال الفراء : وكان من لا يعرف هذه الجهة يقرأ " لأقسم " بغير ألف ، كأنها لام تأكيد دخلت على أقسم ، وهو صواب ، لان العرب تقول : لأقسم بالله وهي قراءة الحسن وابن كثير والزهري وابن هرمز " بيوم القيامة " أي بيوم يقوم الناس فيه لربهم ، ولله عز وجل أن يقسم بما شاء . ( ولا أقسم بالنفس اللوامة ) لا خلاف في هذا بين القراء ، وهو أنه أقسم سبحانه بيوم القيامة تعظيما لشأنه [ ولم يقسم بالنفس ] ( 2 ) . وعلى قراءة ابن كثير أقسم بالأولى ولم يقسم بالثانية . وقيل : " ولا أقسم بالنفس اللوامة " رد آخر وابتداء قسم بالنفس اللوامة . قال الثعلبي : والصحيح أنه أقسم بهما جميعا . ومعنى : " بالنفس اللوامة " أي بنفس المؤمن الذي لا تراه إلا يلوم نفسه ، يقول : ما أردت بكذا ؟ فلا تراه

--> ( 1 ) الزيادة من تفسير الفراء . ( 2 ) الزيادة من تفسير ابن عطية وغيره .